محمد خليل المرادي
54
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
حتى صاروا يضربونهم بالرصاص . وتنادى أهل حماة : طاب الموت . واشتدّت هذه الحالة بهم واستقامت مدّة أيّام قلائل ، حتى وجدوا فرصة للفرار . وجاء المترجم إلى دمشق ، وقريبه الأستاذ الشيخ يس وأولاد المترجم السيّد يعقوب والسيّد إسحاق والسيّد محمّد والسيّد صالح والسيّد عبد الرحمن ، وقصدوا الحجّ لبيت اللّه الحرام في تلك السنة ، وهي سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ، وكان أمير الحاجّ ووالي الشام إذ ذاك ، الوزير عبد اللّه باشا الآيدنلي ، ثم بعد عودهم من الحجّ ، استقاموا بدمشق واستوطنوها . ولمّا قدم لدمشق حاكما الوزير سليمان باشا العظم « 1 » ، تزوّج بابنة الشيخ يس المذكور ، واتّصلت القرابة بينهم . وكان السبب في ذلك تراخيهم في الأمور حين رفع للقلعة بدمشق الوزير إسماعيل باشا العظم « 2 » . والذي جرى عليه وعلى ولده الوزير أسعد باشا العظم ، لما كان محبوسا بقلعة حماة للأمر السّلطاني بذلك ، فظهر من المترجم ومن قريبه الشيخ يس طمع في ذلك ، وصدرت من أولاده فعال غير مرضيّة في حقّ المذكورين . واستقام المترجم في دمشق إلى أن مات . وصارت له بدمشق الشهرة التامّة ، وأنفق في أيّامه بها دراهم كثيرة وأموالا لا تحصى ، وعلا قدره وسما ذكره ، وصارت بنو الآمال وافدة عليه لقضاء حوائجهم ، واستدانت منه أناس كثيرون أموالا . ووقف داره وبعض عقارات بدمشق . وكان حسن المحاضرة عذب المحاورة جميل المعاشرة ، فضيل المذاكرة ، يروي الأشعار والنكت والأخبار ، دمث الأخلاق . وكان له أخ اسمه الشيخ عبد الرزّاق ، له فضل وأدب وشعر . ورأيت له ديوان شعر ومولده أيضا في بغداد . وكان على المترجم تدريس وتولية المدرسة العصرونية « 3 » بحماة باعتبار رتبة السليمانية المتعارفة بين الموالي . ثم أعطي قضاء طرابلس الشام مع رتبة قضاء القدس الشريف . وصرف على صيرورة ذلك مبلغا وافيا من الدراهم . ولم يتولّ بعد ذلك منصبا . ولم يزل معظّما مبجّلا إلى أن مات . وكانت وفاته في ذي القعدة سنة سبع وخمسين ومائة وألف . ودفن بتربة الباب الصغير بالقرب من مرقد زين الدّين العابدين رضي اللّه عنه . وأمّا أولاده المذكورون فالسيد يعقوب كان أديبا وستأتي ترجمته ، وأمّا السيّد إسحاق
--> ( 1 ) قدم دمشق يوم الخميس 8 رمضان سنة 1146 ه ، خلفا لعبد اللّه باشا الآيدنلي ، يوميّات شاميّة 440 . ( 2 ) تولّى دمشق سنة 1137 ه ، ثم عزل وسجن سنة 1143 ه وصودرت أمواله ، فمات سنة 1144 ه ، قهرا وغيظا وهو عين ما حدث لأخيه سليمان باشا وابنه أسعد باشا فيما بعد . ( 3 ) أنشأ القاضي عبد اللّه بن أبي عصرون الموصلي ، المتوفى سنة 585 ه ، مجموعة من المدارس في حلب وحماة ودمشق عرفت به وهو مدفون في مدرسته في باب البريد ، بدمشق ، والتي عرفت المنطقة بها : سوق العصرونية ، وكان قاضيا لنور الدين الشهيد وصلاح الدّين الأيوبي .